المقر
 
 

عبق الماضي وتألق الحاضر والمستقبل

من عهد سمو الشيخ حمد بن عيسى الكبير إلى عهد جلالة الملك حمد بن عيسى المفدى

ظل القضاءُ مَدارَ اهتمام خاص من لَدُن أولي الأمر في البحرين منذ البدايات الأولى لتشكل الكيان السياسي البحريني المعاصر أواخر القرن الثامن عشر للميلاد، وكان يحظى- باعتباره ركنا للسيادة ومسلكا من أقوم المسالك لتطور الأمم والممالك- برعاية موصولة من المغفور له الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، الحاكم السابق ومؤسس البحرين الحديثة (1286-1351هـ/1869-1932م).

وقد تعاقب على القضاء في البحرين قضاة بلغوا شأنا عظيما من رفعة المقام وعمق الاقتدار، ذاع صيت بعضهم حتى أضحوا رمزا للعدالة، وخطوا أنصع صفحات التاريخ القضائي المحلي بمِداد العدل والنزاهة.

واستمرَ القضاءُ البحريني يتطور بالتوازي مع تطور أدوات الحكم ومؤسساته، حيث شهدت وتيرة هذا التطور نسقا مطردا بتولي المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الكبير بنفسه رئاسة أول المحاكم النظامية التي شُكلت سنة1921م، إبّان ولايته للعهد.

وشَكلتْ سَنةُ 1922م، محطةً هامةً في مسيرة القضاء البحريني حيث تم اعتماد مبدأ ازدواج القضاء وذلك باستحداث قضاء مدني وآخر شرعي مواكبة للنسق الحثيث لتطور المجتمع، في حقبة شهدت صدور أول التشريعات الحديثة التي أرست نواة الدولة العصرية، وهو التشريع الصادر بمقتضى الأمر المؤرخ في 20 يناير 1920م، بإنشاء الإدارة البلدية لمدينة المنامة.

وفي سياق هذا المنحنى التطوري، تم بتاريخ 18 أكتوبر 1937م، افتتاح مبنى محاكم البحرين من قبل الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الكبير رحمه الله، حاكم البحرين آنذاك والجد الأكبر لجلالة الملك (1351-1261هـ/1932-1942م). وكان المبنى يضم بين جنباته، إضافة إلى القاعة الرئيسية للمحكمة، دائرة الأوقاف وأموال القاصرين، ودائرة الطابو "السجل العقاري" ومجلس "سالفة الغوص" ومجلس التجارة.

وقد انتصب مبنى المحاكم في قلب مدينة المنامة صرحا شامخا للقضاء وعنوانا لمهابته التي تعززت بالزخم التنموي الشامل الذي ميّز عهد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة (1361-1381هـ/ 1932-1942م) وقد تأكدت تلك المهابة بارتقاء القضاء البحريني سنة 1973م، إلى مصاف السلطة الدستورية المستقلة على النحو الذي اقتضاه دستور دولة البحرين لسنة 1973م، الصادر في عهد المغفور له صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراء (1381-1420هـ/ 1961- 1999م).

وقد قُيضَ للقضاء في البحرين أن يشهد نهضة شاملة على يَدَي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله، تأسيسا على المنزلة السامية التي يحتلها القانون في الفلسفة السياسية لجلالته والتي تجلت بوضوح في المنهج الذي ارتضاه جلالته منذ أن كان وليا للعهد، والقائم على اعتماد المشروعية القانونية والاحتكام إلى القضاء وسيلة لفض النزاعات وهو النهج الرشيد الذي أفضى إلى إصدار محكمة العدل الدولية حكمها التاريخي الصادر في 16 مارس سنة 2001م، بسيادة البحرين على جزر حوار والذي يعتبر نصرا مؤزرا للبحرين في إحدى أهم قضايا تاريخها المعاصر ومصداقا لرجاحة منهج المشروعية المعتمد.

وبنفس السخاء أغدقت القيادة الرشيدة على الإنشاءات والتحديثات والتجهيزات التي أذن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى حفظه الله بإدخالها على المبنى العتيق حتى صار هذا الأخير قمينا باحتضان المحكمة الدستورية وملائما لمنزلتها الرفيعة.

ويقف مقر المحكمة الدستورية اليوم، بشكله المعماري المتميز والمخزون الحضاري الذي يجسده بشموخ وأنفة، شاهدا حيا على العناية الموصولة والرعاية المتواترة بالقضاء، والحرص على إحاطته بكل ما من شأنه إبراز المكانة التي تتبوؤها العدالة في سياق مسيرة التطور والنماء المستمرة بوتيرة متصاعدة منذ عهد سمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الكبير رئيس أول المحاكم النظامية، وأسلافه الكرام إلى العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله، ملك مملكة البحرين رئيس المجلس الأعلى للقضاء.

كما تألقت المكانة المتميزة التي يحتلها القانون والقضاء في الاستراتيجية الإصلاحية لجلالة العاهل المفدى في اعتماد جلالته حفظه الله- التغيير الدستوري والتشريعي سبيلا إلى الإصلاح السياسي والإنماء الاجتماعي، حيث شهدت فاتحةُ عهده الميمون إجماع الشعب البحريني على ميثاق العمل الوطني وصدور الدستور المعدّل لسنة 2002م.

وقد جاء الدستور المعدل بإصلاحات جمة لقطاع القضاء تدعيما لاستقلاله واعلاءً لمبدأ المشروعية ودولة القانون، حيث استُحدث مجلسا أعلى للقضاء يتولى جلالة الملك رئاسته، كما استحدث محكمة دستورية أوكل إليها إعمال الرقابة على دستورية القوانين واللوائح.

وحيث إن القضاء جوهر ومظهر، ولما كان مبنى محاكم البحرين- المشار إليها آنفا- أول المقرات الرسمية للقضاء البحريني وأكثرها عراقة، فقد صدرت التوجيهات الملكية السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله، بأن يكون نفس المبنى العتيق الذي يختزل الإرث القضائي البحريني، مقرا رسميا للمحكمة الدستورية، إيذانا بعودة الدُر إلى معدنه في لحظة اقترنت فيها عبقرية المكان برجاحة القرار في سياق زماني متميز، بعد أن مرَّ على المبنى حينٌ من الدهر كان فيه مقرا لإدارة المطبوعات والنشر ثم متحفا للغوص واللؤلؤ.

وينبع اختيار جلالة الملك لمبنى محاكم البحرين ذي التاريخ العريق والمعمار الأصيل الذي أنشأه جدّهُ وسَميّهُ المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة الكبير، مقرا للمحكمة الدستورية من توجه ملكي سامٍ قوامه التلازم بين التطور والأصالة، والتوازن بين السعي الحثيث نحو مزيد من الحداثة والنماء، والمحافظة على الموروث الحضاري البحريني بمختلف أبعاده ومقوماته.

ويتميز مقر المحكمة الدستورية المقام على أرض كانت في الأصل بحرا، علاوة على قيمته التاريخية، لكونه يجسد تطلع الإنسان البحريني إلى تجاوز عوائق محدودة الحيّز الجغرافي ورغبته في الانطلاق إلى آفاق أرحب، عبر اعتماد أسلوب " الدفان" كوسيلة لكسب المزيد من الأراضي على حساب البحر وتوسيع المدى العمراني لهذه الجزيرة المعطاء، مهد حضارة دلمون العريقة.

فأرض مقر المحكمة كانت أرضا مغمورة بالمياه بعمق ستة أقدام، إلا أن عمق الإرادة حوّلها إلى أرض صلبة قابلة للتهيئة عبر دفنها بالأساليب المتاحة أوائل القرن العشرين والتي كانت تتطلب جهودا كبيرة وعزيمة لا تفتر.

وتأسيسا على الوعي بجلال الجانب الرمزي لمبنى المحاكم، فإن حكومة البحرين آنذاك لم تتوان في توفير الموارد المالية اللازمة لأشغال الدفان والبناء، حيث بلغت تكاليف الدفان سبعة عشر ألفا وثلاثمائة وست وثلاثون روبية (17،336روبية) أما تكاليف البناء فبلغت أربعة وستون ألفا وستمائة وخمس روبيات (64،605روبية) بتكاليف إجمالية قدرها واحد وثمانون ألفا وتسعمائة وواحد وأربعون روبية (81،941 روبية)، وهي مبالغ كبيرة قياسا بالواقع الاقتصادي القائم سنة 1937م.

 


 
 Instagram